صرخة أم .... قصة قصيرة
في ظلام غزة الدامس والمليئ برائحة الموتى، علت طائرات العدو الغاشم، تُرسل
حممَها وتُسقط قذائفها؛ فتقتل وتحرق وتهدم، تدمر بوحشيتها المعهودة كل شيء، لا ترحم
طفلاً أو أُمًّا أو شيخًا كبيرًا، يُغطّي سوادُ قلبها وجه الأرض، تملأ قلوب الأطفال
رعبًا، تقتل برآتهم؛ ليتلاشوا خلف جدارن الخوف، أخذ محمد(طفل الخامسة) يصرخ على أمه،
وبراثن الخوف تضع مخالبها على جسمه الضعيف، هرعت إليه أمه تحتضنه بين ذراعيها، وتكتنفه
بدقات قلبها المرتعشة، صراخ ابنها يسلبُ الروحَ من جسدها رويدا رويدا، تحاول نزع طفولته
المستباحة من أيدي خفافيش الظلام، يتزايد القصف، وتتصاعد الأدخنة، وزئير الطائرات يقصف
بالرعب قلوب الأطفال، ومحمد ملتصقًا بأمه، يدفن رأسه في قلبها الغائر.. لحظات وعلا
صراخ بسمة أخته الصغيرة، قامت الأم من مكانها وطفلها يعانق روحها؛ لتأتي بابنتها الصغيرة،
ذات الثلاث سنوات، انزوت الأم بطفليها المستنجدين بجسدها الناحل تحت منضدة مستندة لأحد
الجدران، دقات قلب الأم تتسارع كما يتسارع الدعاء على لسانها؛ خوفا على طفليها، مستنجدة
بالله أن يرحم تلك الأبدان الصغيرة، ويتولاها بعطفه ولطفه، يتلعثم لسان الأم من الخوف،
المكان والزمان يدوران برأسها دوران الرحى، الجدران تتمايل، والبيت يتهاوى، والطفلان
في عناق مع جسدٍ يتلاشى، الأم تفقد الوعي وصراخ الطفلين يتعالى في مخيلتها من شده القصف
الذي أصاب أركان بيتها، خيّم الصمت بعد القصف.. ها هي الأم تحرك أطراف يدها، تحاول
جاهدة أن تجمع شتات وعيها، في لهفة تنهض، وجسمها ينتفض رعبًا.. أين الطفلان؟... ها
هي أشلاء محمد وبسمة متناثرة بين الأكوام، تصرخ وصوتها يخترق جوانب الصمت المظلم
" قاتل الله المجرمين، قاتل الله الصهاينة، قاتل الله الخونة".. مرةً أخرى
تتعالى صيحات الطائرات، والأم تصرخ:" افعلوا ما شئتم، افعلوا ما طاب لكم، صولوا
وجولوا، مزقوا الأجساد، اقتلوا الأطفال، هدموا البيوت، احرقوا القلوب؛ فقد مات الشرف،
وماتت النخوة، وماتت الكرامة، مات عمر، مات صلاح الدين، لعنة الله على الظالمين، لعنة
الله على الساكتين، لعنة الله على المنافقين، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، واجعل
دائرة السوء عليهم، يا رب أرنا آياتك في كل من خانك، اللهم كما أدميت قلوبنا على هؤلاء
الصغار، فأرنا عجائب قدرتك في هؤلاء الكفرة، رب لا تجعل على الأرض من الكافرين ديارا،
رب لا تجعل على الأرض من الكافرين ديارا".. جثت الأمُ على ركبتيها، وهي تُجَمِّع
في بقية رُفات طفليها، تختنق كمدًا، يتزايد القصف مرة أخرى، لحظات ... وتلقى الأم مصرعها
بجوار أشلاء طفليها المتناثرة؛ لتجتمع أرواحهم الطاهرة في جنات ونهر في مقعد صدق عند
مليك مقتدر...
بقلم: الكاتب: ناجي عبد العظيم محمد..

تعليقات
إرسال تعليق